الشيخ محمد رشيد رضا

341

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القرآن هو موضوع الدعوة والرسالة المقصود منها بالذات ، وتدل بموضعها دلالة ايماء على أنه أعظم شهادة للّه تعالى وقوله تعالى « لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ » نص على عموم بعثة خاتم الرسل عليه أفضل الصلاة والسّلام ، أي لأنذركم به يا أهل مكة أو يا معشر قريش أو العرب وجميع من بلغه ووصلت اليه دعوته من العرب أو العجم ، أو المعنى لأنذركم به أيها المعاصرون لي وجميع من بلغه إلى يوم القيامة . قال البيضاوي وهو دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه . اه يعني أن العبرة في دعوة الاسلام بالقرآن فمن لم يبلغه القرآن لا يصدق عليه أنه بلغته الدعوة ، وحينئذ لا يكون مخاطبا بهذا الدين . ومفهومه أن الحجة لا تقوم بتبليغ دعوة الاسلام بالقواعد الكلامية والدلائل النظرية التي بني عليها ذلك العلم ولكنا نرى المسلمين قد تركوا دعوة القرآن وتبليغه بعد السلف الصالح وترك العلم به وبما بينه من السنة إلى تقليد المتكلمين والفقهاء . والقرآن حجة عليهم وإن جعلوا أنفسهم غير أهل للحجة ومما روي عن مفسري السلف في الآية من الأحاديث والآثار ما أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم والخطيب عن ابن عباس قال « من بلغه القرآن فكأنما شافهته به - ثم قرأ - ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) » ويؤيد الرواية أن القرآن لما كان متواترا بلفظه ومعناه كان من بلغه بعده صلّى اللّه عليه وسلّم كمن سمعه منه وان كثرت الوسائط ، لأنه هو الذي بلغه بلا زيادة ولا نقصان . وليس للأحاديث المروي كثيرها بالمعنى هذه المزية . فهي موضع اجتهاد : وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي في الآية قال : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ( ص ) وفي لفظ : من بلغه القرآن حتى يفهمه ويعقله كان كمن عاين النبي ( ص ) وكلمه . وأخرج أبو الشيخ عن أبيّ بن كعب قال أتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأسارى فقال لهم « هل دعيتم إلى الاسلام - ؟ قالوا لا فخلى سبيلهم ثم قرأ ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) ثم قال - خلوا سبيلهم حتى يأتوا مأمنهم من أجل أنهم لم يدعوا »